الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
106
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
نيرة إزاء المؤثرات التي تحيط بهم ولو بلغت في عتوها وضغطها مبلغا شديدا ، إنهم كالجبال في مقابل الصعوبات والشدائد ، إذا وهبتهم الدنيا فلا يؤثر ذلك فيهم ، وإذا أخذت منهم العالم أجمع لا يتأثرون . والعجيب في الأمر أن هؤلاء القوم الذي يخسرون أنفسهم والذين تذكرهم السور القرآنية في آيات متعددة ( مثل يونس - آية 12 ، لقمان - آية 32 ، الفجر - آية 14 ، 15 ، فصلت - الآية 48 ، 49 ) هم أنفسهم يعودون إلى الله ، ويستجيبون لنداء الفطرة عندما تنزل بهم النوازل وتقع بساحتهم الشدائد ، ولكنهم عندما تهدأ أمواج الحوادث والظواغط يتغيرون ، أو في الواقع يعودون إلى ما كانوا عليه سابقا ويكون مثلهم كمن لم يسمع بالله الذي خلقه وأنقذه ! إن العلاج الوحيد لهذا المرض هو رفع مستوى الفكر في ظل العلم والإيمان ، وترك العبودية لما هو دون الله وسواه ، وفك الارتباط مع الشهوة والمادة ، والعيش في إطار من القناعة والزهد البناء . ومما ذكرنا تظهر الإجابة على سؤال ، وهو : إن الآيات التي نبحثها تصف حال مثل هؤلاء الأشخاص عند الصعوبات والشدائد ب " يؤوس " في حين أن آيات أخرى مثل الآية ( 65 ) من سورة العنكبوت تصفهم بأنهم مخلصين له الدين وهي دلالة على غاية التوجه نحو الخالق عز وجل ؟ في الواقع ليس ثمة من تضاد بين هاتين الحالتين ، بل إن إحداهما هي بمثابة مقدمة للأخرى ، فهؤلاء الأشخاص عندما تصادفهم المشكلات ييأسون من الحياة ، وهذا اليأس يكون سببا لأن تزول الحجب عن فطرتهم ويلتفتون لخالقهم العظيم . إن هذا التوجه الاضطراري إلى الخالق عز وجل - طبعا - ليس فخرا لأمثال هؤلاء وليس دليلا على يقظتهم ، لأنهم بمجرد انصراف المشاكل عنهم يعودون إلى حالتهم السابقة .